النظام السياسي الأمريكي – صحيفة الراكوبة

0

ربما تشعر بالصدمة من ادعائنا بـأن النظام السياسي الأمريكي يفتقد الديمقراطية في نواحي هامة وأن أمريكا جمهورية وليست ديمقراطية كاملة.

بكونها غير ديمقراطية ، أعني أن أقول إن انتخابات أجهزة السلطة الرئيسية فيها لا تقوم على مبدأ صوت واحد للشخص واحد. بشكل عام ، يتمتع البيض ، والمحافظون الريفيون الذين يناصرون الحزب الجمهوري بوزن تصويتي أعلى من بقية السكان. أو كما قال أورويل فان كل الحيوانات متساوية ولكن بعض الحيوانات أكثر مساواة من الآخرين.

لإظهار الحجة ، دعنا نفحص كيف يعمل النظام السياسي الأمريكي فيما يتعلق بانتخاب أجهزة السلطة الرئيسية وهي الرئاسة ومجلس النواب ومجلس الشيوخ والمحاكم الفيدرالية.

يتم انتخاب الرئيس الأمريكي من قبل ممثلي الولايات وليس بطريقة مباشرة تعكس مبدأ صوت واحد لكل فرد.

لكل ولاية عدد معين من الأصوات الانتخابية يعتمد إلى حد ما على حجم سكانها ، ولكنه لا يتطابق مع الحجم السكاني النسبي ويترتب علي هذا ان الولايات الأصغر سكانيا لديها نصيب اعلي من الأصوات الانتخابية مقارنة بـعدد سكانهـا. علي سبيل المثال فلوريدا لها 29 صوت انتخابي مقارنة مع 55 لكاليفورنيا و36 لتكساس و 3 لويومنغ وهكذا. عمليا يعني كل هذا انه في ويومينغ البيضاء , الجمهورية بتطرف, يتمتع كل 208 ألف نسمة بصوت انتخابي, بينما في كاليفورنيا مختلطة الأعراق التي تفضل الحزب الديمقراطي, لكل 727 ألف مواطن صوت انتخابي واحد فيما يختص بـالرئاسة أو أن كاوبوي ويومنغ يتمتع بثلاثة اضعاف الوزن الانتخابي لمواطن كاليفورنيا التي ترتفع فيها نسبة الأقليات والليبراليين والجندريات والتقدميين والنباتيين.

مجموع الأصوات الانتخابية في كل الولايات 538 , يحتاج المرشح الِي 270 أو اكثر منها كي يفوز بالرئاسة .

ما يجعل نظام الولايات المتحدة غير ديمقراطي أنه ، على سبيل المثال ، إذا تفوق ترامب أو أي مرشح اخر داخل ولاية فلوريدا بصوت واحد فقط ، فإن جميع أصواتها الانتخابية ال 29 تذهب إليه ، ولا يتم تقسيمها حسب نسبة الأصوات التي حصل عليها كل مرشح. وينطبق هذا النظام علي جميع الولايات.

بالنظر إلى الطبيعة الديموغرافية لامريكا ، فإن هذا النظام يحابي الجمهوريين. فمثلا في انتخابات 2016 تفوقت هيلاري كلينتون على ترمب بـما يقرب من 3 ملايين صوت علي مستوي الاتحاد الأمريكي ولكنه فاز بالرئاسة نسبة لطبيعة النظام الذي بيناه أعلاه. وهذا يعني ان ترمب خسر انتخابات 2016 بثلاثة ملايين صوتا ولكنه فاز بالرئاسة.

وأيضا في انتخابات 2000 تفوق آل قور علي جورج بوش الابن بأكثر من نصف مليون صوت علي مستوي الاتحاد ولكن جورج بوش فاز بالرئاسة.

العنصر الآخر غير الديمقراطي في النظام السياسي الأمريكي هو أن لكل ولاية مقعدين في مجلس الشيوخ (السينيت )بغض النظر عن حجم سكانها. ينص الدستور على أن يتألف مجلس الشيوخ من عضوين من كل ولاية وبالتالي ، يضم المجلس حاليًا 100 عضو.

نظرًا لأن لكل ولاية عضوين في مجلس الشيوخ ، بغض النظر عن عدد السكان ، فإن ويومنغ لديها مقعدين ورغم ان سكان ولاية كاليفورنيا (40 مليون) أكثر من 60 ضعف سكان ويومنغ (624 ألف) الا انها أيضا لها مقعدين فقط . بمعني آخر فإن لكل 312 ألف مواطن في ويومنغ ممثل في مجلس الشيوخ بينما لكل 20 مليون مواطن في كاليفورنيا أيضا ممثل واحد في المجلس. ولو كان عدد مقاعد مجلس الشيوخ المخصص للولاية يعكس عدد السكان ومبدا صوت واحد لكل مواطن واحد لكان لكاليفورنيا التي تاريخيا يسيطر عليها الحزب الديمقراطي أكثر من ستين مقعدا بدلا عن اثنين.

تميل الولايات الأصغر أيضًا إلى أن تكون ريفية ومعظم قاطنيها من البيض الأكثر رجعية ، وتفضل تلك المناطق تقليديًا الجمهوريين بينما يتركز نفوذ الحزب الديمقراطي في الولايات الحضرية الكبيرة ذات الأعراق والثقافات المتعددة مثل نيويورك وكاليفورنيا.

لا يتم انتخاب كل أعضاء مجلس الشيوخ في سنة واحدة بل ينتخب الثلث كل سنتين ويخدم الفائز لفترة ست سنوات. مثلا نجم عن هكذا توزيع غير عادل للمقاعد أنه في انتخابات 2018 التي تم فيها انتخاب ثلث مجلس الشيوخ (33 مقعدا) أن تفوق الديمقراطيون علي الجمهوريين بأكثر من 12 مليون صوت في السباق ، ومع ذلك فشلوا في ترجمة هذا النصر العددي لتحسين نسبة مقاعدهم في المجلس.

على الرغم من حصول الجمهوريون على أقل من 40٪ من أصوات الناخبين إلا انهم نجحوا في زيادة أغلبيتهم في مجلس الشيوخ وانتزعوا ستة مقاعد من الديمقراطيين بينما فاز الديمقراطيون في أربعة مقاعد لم تكن لهم سابقا . وترتب علي ذلك ان زاد الجمهوريون من عدد مقاعدهم رغم انهم حصلوا فقط علي 40% من أصوات الناخبين, بينما تناقص عدد مقاعد الحزب الديمقراطي رغم انه حصل علي 12 مليون صوت فوق ما حصل عليه الحزب الجمهوري.

بخصوص المحاكم الفدرالية : يتم ترشيح قضاة المحكمة العليا وقضاة محكمة الاستئناف وقضاة محاكم المقاطعات من قبل الرئيس ويصادق عليهم مجلس الشيوخ ، كما هو منصوص عليه في الدستور هؤلاء القضاء يعينون لمدى الحياة.

وبما ان مؤسسة الرئاسة ومجلس الشيوخ كثيرا ما سيطر عليهما الحزب الجمهوري رغم اقليته ورغم ان الحزب الديمقراطي يحصل علي غالبية الأصوات في انتخابات ذراعي السلطة فهذا أيضا يعني ان غالبية قضاة المحكمة العليا , ذات الأهمية الحاسمة, رشحهم رؤساء جمهوريين حصلوا بشكل جماعي على أصوات أقل من تلك التي حصل عليها منافسوهم الديمقراطيون وتم التصديق عليهم من قبل مجالس شيوخ تسيطر عليها نفس الأقلية الجمهورية.

كل هذا يعني أن نظام الحكم في أمريكا تسيطر علي مفاصله اقلية جمهورية, بيضاء وبذا لا يعكس رغبة الناخبين بصورة مرضية في ما يختص بمؤسسة الرئاسة ومجلس الشيوخ والمحاكم العليا.

ولا ينطبق الأمر علي مجلس النواب الذي توزع فيه المقاعد في توازي مع عدد السكان ولكنه ذراع واحد فقط من أذرع السلطة الأربعة.

ومع ذلك فان انتخابات مجلس النواب لا تخلو من تلاعب يرتكز علي هندسة حدود الدوائر الانتخابية بما يعزز من فرص الحزب الجمهوري إضافة الِي تكتيكات قمع أصوات الأقليات العرقية التي تميل الِي التصويت لصالح الحزب الديمقراطي مثل السود والهنود الحمر وغيرهم مما يحرم الحزب الديمقراطي من ملايين الأصوات الممكنة التي بمقدورها مناصرته في انتخابات مجلس النواب والرئاسة ومجلس الشيوخ وبالتالي تتيح له تأثيرا اعلي علي تعيين قضاة المحاكم العليا.

تكتيكات قمع الأصوات تتم ممارستها في الولايات التي يسيطر عليها الحزب الجمهوري بما ان كل ولاية تدير انتخاباتها بدون تدخل مباشر من الحكومة الفيدرالية. وتتحجج هذه التكتيكات بأعذار واهية قد ترتبط بارتكاب المستهدف لجنحة بسيطة يوما أو عدم وضوح في عنوان السكن أو ارتباك طفيف لا يذكر في بطاقات هويته (احمد ام حاج احمد) أو عدم دفع فواتير تافهة أو أي مبرر اخر مصطنع.

إن خصوصية النظام السياسي الأمريكي متجذرة في تاريخ الجمهورية. قبل إنشاء الاتحاد الأمريكي ، كانت كل ولاية كيانًا منفصلاً. عندما بدأت المفاوضات لتشكيل الاتحاد ، كانت الولايات الأصغر تخشى أن تهيمن عليها ولايات أكبر بها عدد أكبر من السكان. لذلك تم تطوير هذا النظام الانتخابي لمنح الكيانات الأصغر مزيدًا من القوة والطمأنينة بأن الاتحاد سيحترم حقوقها. كان هذا مهمًا وقتئذ أيضًا لأن الاختلافات الاقتصادية وحتى الثقافية بين الولايات كانت شاسعة.

ومع ذلك ، بـمرور الوقت ، أصبحت جميع الولايات متشابهة اقتصاديًا وفي غير ذلك. ولكن تحول نظام النوايا الحسنة الذي تم تصميمه لطمأنة الكيانات الاصغر الِي نظام تسيطر عليه اقلية عرقية حين انتفت الظروف التاريخية التي بررت الانحراف عن مبدأ صوت واحد للشخص الواحد.

خلاصة القول أن نظام الحكم في أمريكا غير مكتمل الديمقراطية ويتحول بصورة متزايدة في اتجاه حكم الاقلية البيضاء المحافظة.

 

معتصم أقرع

<[email protected]

مصدر الخبر صحيفة الراكوبة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط